أبو حامد الغزالي

167

تهافت الفلاسفة

قلنا : لا ، بل المقصود تعجيزكم عن دعواكم معرفة حقائق الأمور بالبراهين القطعية ، وتشكيكم في دعواكم . وإذا ظهر عجزكم ، ففي الناس من يذهب إلى أن حقائق الأمور الإلهية ، لا تنال بنظر العقل ، بل ليس في قوة البشر الاطلاع عليها ، ولذلك قال صاحب الشرع - صلوات اللّه عليه - : « تفكروا في خلق اللّه ، ولا تفكروا في ذات اللّه » ، فما إنكاركم على هذه الفرقة ؟ ! ، المعتقدة صدق الرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - بدليل المعجزة ، المقتصرة في قضية العقل ، على إثبات ذات المرسل ، المحترزة عن النظر في الصفات بنظر العقل ، المتبعة صاحب الشرع ، فيما أتى به من صفات اللّه تعالى ، المقتفية إثره ، في إطلاق « العالم ، والمريد ، والقادر ، والحي ، » ، المنتهية عن إطلاق ما لم يأذن فيه ، المعترفة بالعجز عن درك العقل حقيقته . وإنما إنكاركم عليهم بنسبتهم إلى الجهل ، بمسالك البراهين ، ووجه ترتيب المقدمات ، على أشكال المقاييس ، ودعواكم أنا قد عرفنا ذلك بمسالك عقلية ، وقد بان عجزكم ، وتهافت مسالككم ، وافتضاحكم في دعوى معرفتكم ، وهو المقصود من هذا البيان ، فأين من يدعى أن براهين الإلهيات قاطعة كبراهين الهندسيات . فإن قيل : هذا الإشكال إنما يلزم « ابن سينا » حيث زعم أن الأول يعلم غيره ، فأما المحققون من الفلاسفة ، فقد اتفقوا على أنه لا يعلم إلا نفسه ، فيندفع هذا الإشكال . فنقول : ناهيكم خزيا بهذا المذهب ، ولولا أنه في غاية الركاكة ، لما استنكف المتأخرون عن نصرته ؛ ونحن ننبه على وجه الخزي فيه ، فإن فيه تفضيل معلولاته عليه ، إذ الملك والإنسان ، وكل واحد من العقلاء ، يعرف نفسه ومبدأه ، ويعرف غيره ؛ والأول لا يعرف إلا نفسه ، فهو ناقص بالإضافة إلى آحاد الناس ، فضلا عن الملائكة ، بل البهيمة مع شعورها بنفسها ، تعرف أمورا أخر سواها ، ولا شك في أن العلم شرف ، وأن عدمه نقصان ، فأين قولهم : إنه عاشق ومعشوق ، لأن له البهاء الأكمل ، والجمال الأتم ، وأي جمال لوجود